تجار باسم الدين! - مهدويون كاذبون
بسم الله الرحمن الرحيم
هل يجب التهيئة للمهدي؟
بعد استبصاري بفترة قصيرة، كفرتُ بمشروع حسن التهامي، الذي كان يقوم على مبدأ التهيئة للمهدي قبل ظهوره، وحسن استقباله، وتجميع الجموع له، وتحشيد الناس وتهيئتهم فكريًا. وكم رحنا وجئنا، وزرنا المصلين في مساجدهم، والقبائل في مجالسهم، والعلماء في بيوتهم! وكم أقنعنا وجادلنا ورتّبنا! وكم من بيعة أُخذت من الناس، وكم من دورة أُقيمت لتهيئة الـ313! وكم من شاب هاجر لبيعة المهدي، وكم من شاب ترك تجارته، وكم من رجل ترك أعماله أو استقال من وظيفته، وكم من شاب ترك زوجته، وكم من أب ترك أطفاله! بل بلغنا أن بعضهم كان ينوي الهجرة وترك عياله في دار الأيتام لينصر المهدي الذي يدعو إليه التهامي.
كانت هذه مقدمة على عجل، أوردتها حتى لا تطير الفكرة من رأسي، وقبل أن تغادر الخاطرة فكري، بعد أن وردت عليّ وأنا أقرأ سورة طه في الصفحة 320؛ فما كان مني إلا أن أنهيت السورة وبدأت أكتب.
ونعود لنسأل: هل يجب علينا التهيئة للمهدي؟ سؤال طالما حيّرني مؤخرًا، وقد ناقشت فيه من أحب، وتوصلت إلى بعض الخيوط التي أحب أن أجمعها لعلي أهتدي إلى مقصدي، ولعل كتابتي هذه تكون أساسًا يبني عليه من بعدي ليعرف كيف تسير الأمور، أو تصادف أناسًا عارفين فيصدقونها أو يضيفون إليها أو حتى ينتقدونها.
التهيئة للمهدي في تجربة حركة التهامي
كان مبدأ المشروع الأساس أنه لا بد من التجهيز للمهدي؛ فكيف يأتي الضيف ولا نستعد له، ولا نهيئ له المسكن والفراش والطعام حتى يرتاح، ثم يأخذ رمحه وسيفه اللذين جهزناهما له، ويقود الجيوش التي أُعدّت له بدعم وتأييد من أنصاره الـ313، الذين اختارهم بعناية حسن التهامي ومن حوله من أهل مشورته ووزارته وسلطانه؟ وقد بلغت التجهيزات حدًّا صار معه الرجال والأموال جاهزين، وكذلك ما يخص المهدي من طعام وشراب وسكن وسيارات ومركبات وجيوش ووزراء، حتى تم تهجير الرجال الذين سيبايعونه في مكة بين الركن والمقام، وجرى التنسيق على مستويات عالية، وأُخذت الوعود والمواثيق من رجال القبائل الذين عاهدوا على نصرته فور بيعته في مكة، وجُمعت الأموال من التجار الذين استعدوا لدفع المزيد مع تطور الأحداث.
ثم ماذا؟ لم يظهر المهدي بالرغم من كل هذا. لماذا؟ هل تأخرت طائرته الخاصة؟ هل انقطعت به السبل؟ هل لم يقدّر حجم التجهيزات الضخمة التي قام بها حسن التهامي ومن معه على مدى عشر سنوات؟ هل المهدي غير مقتنع بهذه التجهيزات؟ هل يعتقد أنها لا تُسمن ولا تُغني من جوع؟ هل هو غير راضٍ عن نهج هؤلاء الفوضويين؟
المهم أنه بعد تأخر المهدي وعدم مجيئه، هناك من نام على فراشه، وهناك من أكل من طعامه، وهناك من تمتع بأمواله التي جُمعت باسمه، ومن تزوج منها، ومن شيّد المساكن بها، وهناك من استمر في التحدث بلسانه، وهناك من ركب سياراته وتصرف بها خارج حدود الشرع والدين والخُلق، وهناك من جيّش الشباب الذين جُمعوا تحت راية المهدي ضد الحوثيين في صنعاء! وليس ذلك لسبب وجيه، وإنما لأن القائمين على الفكر المهدوي – فرع التهامي – ما زالوا متأثرين بفكرهم القديم الذي يعادي آل بيت رسول الله، فعادوا الحوثي لأنه من آل بيت رسول الله، ورموه بالرفض والتشيع، وزعموا أنه حبس المهدي عليه السلام الذي كان من المفترض أن يأتي بعد كل التجهيزات.
مهلًا! هل ترون شيئًا غريبًا؟ المهدي الذي حشدنا باسمه كان من المفترض أن يأتي، أم أنه كان موجودًا حقًّا؟ كان موجودًا معنا في الحركة، يباركنا ويرشدنا ويهدينا! ثم حُبس المهدي، فتوجهت الحركة لتحريره، فانتقلوا من حركة منتظِرة للمهدي إلى حركة لتحرير المهدي، وتحولوا من أنصار المهدي إلى أنصار استخراجه من السجن! لا حول ولا قوة إلا بالله!
سمعت أن أحد وكلاء المهدي قال إنه إذا خرج المهدي من السجن فبيننا وبينه حساب! وما هو الحساب؟ قال: خسرنا عليه تسعين مليون ريال يمني في سبيل إخراجه! فهل يجوز أن نسميها إذن حركة محاسبة المهدي؟
لقد انتقل هؤلاء في فكرهم، وتطورت عقولهم، من أنصار مهدي، إلى مطالبين بتحريره من الحبس، إلى محاسبين قانونيين له حال خروجه. ومهما بدا هذا خيالًا وغباءً وجنونًا، فالحقيقة المرة التي يجب أن يعرفها القارئ أن هذا هو واقع حركة أنصار المهدي في صنعاء.
نموذج آخر: انتظار المهدي عند الشيعة
لنأخذ نموذجًا آخر: شيعة محمد وآل محمد الذين ينتظرون المهدي في العراق وإيران وغيرهما من عوالم التشيع. بعد تشيعي وتعمقي في الفكر الشيعي فكرت أن أذهب إلى النجف لطلب العلم، فسألت بعض من أعرف عن أحوال النجف قبل ذهابي، فدلني بعض الطيبين على قراءة كتاب «جولة في دهاليز مظلمة» للنجفي محمد حسن الكشميري الرضوي (د.ت.). قرأت الكتاب، وليتني لم أقرأه! بل الحمد لله أني قرأته! وخلاصة الشأن أن للمتعمق أن يقرأ الكتاب المذكور في قائمة المراجع؛ فالمراجع الشيعية في النجف وغيرها تأخذ الأخماس باسم الإمام، ويتصدرون الكلام في الحلال والحرام باسم المهدي، ويقلدهم الملايين لأنهم وكلاء المهدي، ولم تقم دولة إيران إلا بولاية الفقيه نيابةً عن المهدي.
فماذا حصل؟ إن أردت الاختصار، فما قيل في التهامي وأنصاره في اليمن فخذ مثله في العراق وإيران. فقد أُكلت أموال المهدي وتمتعت بها عصابات، وأُفتي في دين الله بالرأي وللمصلحة باسم المهدي، وسُفك الدم الحرام باسم المهدي، واتُّخذ الكفار والمنافقون بطانةً (وَلائج) باسم المهدي، وجرى التجسس على شيعة المهدي باسم المهدي، وغير ذلك من المضحك المبكي الذي يعجز اللسان عن وصفه والقلم عن حصره في هذه السطور. لكن حسبي أن الفكرة وصلت وبانت ملامحها، ومن أراد خباياها ففي مظانها، وقد أوردت ما وصلني منها على قصر اطلاعي وقلة حيلتي وشح مصادري.
وسأورد بعضها لأخذ نبذة؛ فقد ذكر الكشميري الرضوي (د.ت.، ص 120–121) ما يلي:
من قام بإحراقها؟
تعرضت بعض الدوائر الحساسة في النجف الأشرف وكربلاء وربما في أمكنة أخرى إلى إحراق كامل، فمن هو الذي أحرقها وكيف تم ذلك؟ ولماذا استهداف هذه الدوائر وما هي هذه المؤسسات أو هذه الدوائر؟
هذه الأمكنة هي: 1- مديريات الأمن والمخابرات في النجف الأشرف وكربلاء. 2- مديريات الجنسية والجوازات في النجف الأشرف وكربلاء. 3- المحاكم ودوائر التسجيل العقاري في النجف الأشرف وكربلاء.
وهنا الشفرة المعقدة أو اللغز الغامض! إن إبادة هذه الدوائر تمت بشكل منظم ودقيق. وقد وقع هذا في الانتفاضة الشعبانية عام 1990م، وحدث هذا مرة أخرى وأشد بكثير في عملية سقوط الطاغية عام 2003م. الملفت هو أن هذا لم يتم على يد الانتفاضيين أو الجماهير الغاضبة، وإنما ساهمت جهات معينة وغير مرئية، وبينها عناصر من الحواشي! لأن هذه الملفات في هذه الدوائر تضم وثائق وتقارير بخط أناملهم تكشف عن تعاونهم الخطير مع أزلام النظام. لذا، ومن باب «أقطع رأس وكذب خبر»، عمدوا على إبادتها. لقد عشنا هذه التجربة قبلها عام 1978م عندما سقط شاه إيران، وأجهزت مجموعة من الثوار الإيرانيين على مجمع السفارة الإيرانية في بغداد والقنصلية الإيرانية في كربلاء المقدسة. وإذا بالمئات من الوثائق والرسائل والتقارير كانت ترفع من منابع في الحوزات ومن المتقدمين شهرة وعلمًا، وكذلك من أبنائهم وأحبائهم، إلى موظفي السافاك في السفارة والقنصلية. والجدير بالذكر أن هذه الوثائق، قبل أن تُكشف للناس، تم اطلاع الإمام الخميني (رحمه الله) عليها، فاستدعى وقتها السيد محمود دعائي وأمره بحكم شرعي بحرمة نشرها، لأنها ستفضح أشخاصًا يتبوؤون عناوين مهمة ومقدسة. وفعلًا تم حجبها!
الحالة تكررت في الانتفاضة الشعبانية في العراق، وكذلك عند سقوط النظام عام 2003م، وقد وقعت بعض الوثائق بشكل عفوي بأيدي هذا وذاك، وقد وصلني بعضها وأنا في مدينة قم المقدسة وأحتفظ بها عندي، وهي ليست بتوقيع الطرف فقط وإنما بخط يده وهو يتعهد فيها بالتعاون مع حزب البعث وقيادته والوفاء له. وهذا الشخص هو اليوم يتربع بجنب المرجع (دام ظله) مستشارًا له وأحد أمنائه على استلام مئات الملايين من الأخماس، وهكذا أمثاله بالعشرات، والله در القائل:
ومن عجب الدنيا طبيب مصفرج وعالمها هذا؟ وذاك خطيبها؟
وأعمش كحال وأعمى منجم تعالوا على الإسلام ونلطم
هل كل حركات التمهيد صادقة؟
دولة إيران – ولاية الفقيه لها ما لها وعليها ما عليها، وليس هذا أوان نقاش الفكرة، ولكنها تصلح منطلقًا لسؤال حثيث: هل كل الحركات التي تمهد للمهدي صادقة في دعواها؟ هل انحرفت بعد تأخر المهدي؟ هل انحرفوا بعد اجتماع الأموال وحشد الأنصار وإقبال زخرف الدنيا؟ هل هم ممثلون شرعيون للمهدي بحيث يمكن حمل إيجابياتهم وسلبياتهم عليه؟ حاشا لله! هل هم دجالون اتخذوا التهيئة للمهدي سبيلًا للوصول إلى حطام الدنيا؟
والواقع الذي نراه، وقد وصلت إليه حركات الظهور، أو التمثيل للمهدي، أو التصدر باسم النبي محمد، أو باسم الحركات الإسلامية، أو نصرة فلسطين وجمع التبرعات لها ثم خيانتها في أحلك الظروف، أو غير ذلك: هل هذا كله يمثل واقع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده؟
السؤال المحوري
بعد هذا كله وصلت إلى سؤالي المحوري الذي هو بيت القصيد: هل التهيئة للمهدي واجبة؟ هل إنشاء كيان إسلامي ودولة قبل ظهوره واجب؟ هل إنشاء حركات إسلامية لجمع كلمة المسلمين واجب؟
إن كان الجواب نعم: فهل هناك آلية تضمن منع سوء استخدام هذه الدول والحركات والكيانات التي قامت باسم المهدي، أو النبي، أو علي، أو فلسطين، أو الحرية، أو جمع الكلمة، أو تحرير الأوطان، وغير ذلك؟
وإن كان الجواب لا: فكيف ندفع يد الظالم عن الدين والمقدسات والأوطان بغير تحرك؟
هذا ما يدور في صدري، وسأكون سعيدًا لو وجدت من يناقشه معي بصدر رحب وعقل واسع، وبغير إنكار للواقع المقيت الذي حصدناه من الجماعات.
المراجع
الكشميري الرضوي، محمد حسن. (د.ت.).جولة في دهاليز مظلمة. د.ن.