لو ارتد عبد الرزاق لما تركنا حديثه!
عبد الرزاق بن همام الصنعاني (126–211هـ): دراسة تحليلية في توثيقه وتشيعه
المقدمة
يُعدّ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني (126–211هـ) من أبرز محدّثي أهل اليمن وأكثرهم تأثيراً في حفظ السنة النبوية ونقلها إلى الأجيال اللاحقة. وقد احتلّ مكانة مرموقة في أوساط المحدثين، حتى وصفه الذهبي بأنه «الإمام» و«أحد الأعلام الثقات»، وأُدرج حديثه في الصحاح والمسانيد كافّة. غير أن مسألة تشيّعه أثارت جدلاً واسعاً بين علماء الجرح والتعديل، بين من احتجّ به مطلقاً، ومن توقف في حديثه أو كرهه لهذا السبب. وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل موقف المحدثين من عبد الرزاق، وبيان حقيقة تشيّعه، وأثر ذلك في قبول حديثه أو ردّه، استناداً إلى المصادر الأصلية في الجرح والتعديل والتراجم.
أولاً: مكانة عبد الرزاق العلمية ومنزلته بين المحدّثين
كان عبد الرزاق من أعيان الشيعة وخيرة سلفهم الصالحين، وقد عدّه ابن قتيبة في كتابه «المعارف» من رجالهم (الموسوي، 1973). وذكر ابن الأثير وفاته في آخر حوادث سنة 211هـ من تاريخه «الكامل» فقال: «وفيها توفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني المحدّث، وهو من مشائخ أحمد، وكان يتشيّع» (الموسوي، 1973). كما ذكره المتقي الهندي أثناء البحث عن الحديث رقم 5994 من كنزه، فنصّ على تشيّعه (الموسوي، 1973).
وقد ترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» فقال: «عبد الرزاق بن همام بن نافع الإمام أبو بكر الحميري مولاهم الصنعاني... عنهم، كلهم أصحاب سنة، معمر... أحد الأعلام الثقات». ثم استرسل في ترجمته إلى أن قال: «وكتب شيئاً كثيراً وصنّف الجامع الكبير وهو خزانة علم؛ ورحل الناس إليه: أحمد، وإسحاق، ويحيى، والذهلي، والرمادي، وعبد» (الموسوي، 1973)
وأضاف الذهبي في أحواله إلى أن نقل كلام العباس بن عبد العظيم في تكذيبه، فأنكر الذهبي عليه ذلك؛ وقال: «هذا ما وافق العباس عليه مسلم، بل سائر الحفاظ، وأئمة العلم يحتجون به» (الموسوي، 1973)
ثانياً: مسألة تشيّع عبد الرزاق واعترافه به
تتابع الذهبي في ترجمة عبد الرزاق، فنقل عن الطيالسي أنه قال: سمعت ابن معين يقول: «سمعت من عبد الرزاق كلاماً يوماً فاستدللت به على تشيّعه، فقلت: إن أساتيذك الذين أخذت عنهم: معمر، ومالك، وابن جريح، وسفيان، والأوزاعي، فعمن أخذت هذا المذهب — مذهب التشيّع — فقال: قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي، فرأيته فاضلاً حسن الهدي، فأخذت هذا عنه» (الموسوي، 1973)
ويعلّق الموسوي على هذا النص قائلاً: «يعترف عبد الرزاق في كلامه هذا بالتشيّع؛ ويدلي أنه أخذه عن جعفر الضبعي، لكن محمد بن أبي بكر المقدمي كان يرى أن جعفر الضبعي قد أخذ التشيّع من عبد الرزاق، وكان يدعو على عبد الرزاق بسبب ذلك — كما في ترجمة جعفر الضبعي من الميزان — فقد قال: عبد الرزاق ما أفسد جعفراً غيره — يعني بالتشيّع» (الموسوي، 1973)
ثالثاً: موقف ابن معين وأحمد بن حنبل من حديث عبد الرزاق
رغم اعتراف عبد الرزاق بالتشيّع أمام ابن معين، فقد أكثر ابن معين من الاحتجاج به. وقال أحمد بن أبي خيثمة: قيل لابن معين: إن أحمد يقول إن عبيد الله بن موسى يردّ حديثه للتشيّع، فقال ابن معين: «والله الذي لا إله إلا هو إن عبد الرزاق لأعلى في ذلك من عبيد الله مئة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف ما سمعت من عبيد الله» (الموسوي، 1973)
وقال أبو صالح محمد بن إسماعيل الضراري: «بلغنا ونحن بصنعاء عند عبد الرزاق أن أحمد وابن معين وغيرهما تركوا حديث عبد الرزاق أو كرهوه لتشيّعه — فدخلنا غمّ شديد، وقلنا: قد منفقنا ورحلنا وتعبنا، ثم خرجت مع الحجيج إلى مكة فلقيت بها يحيى فسألته، فقال: يا أبا صالح لو ارتدّ عبد الرزاق عن الإسلام ما تركنا حديثه» (الموسوي، 1973)
رابعاً: أقوال أئمة الجرح والتعديل في عبد الرزاق
1. قول ابن عدي
ذكره ابن عدي فقال: «حدّث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها أحد، وبمثالب لغيرهم مناكير؛ ونسبوه إلى التشيّع» (الموسوي، 1973)
2. قول أحمد بن حنبل
قيل لأحمد بن حنبل: «هل رأيت أحسن حديثاً من عبد الرزاق؟ قال: لا» (الموسوي، 1973)
3. شهادة ابن القيسراني
أخرج ابن القيسراني في آخر ترجمة عبد الرزاق من كتابه «الجمع بين رجال الصحيحين» بالإسناد إلى الإمام أحمد، قال: «إذا اختلف الناس في حديث معمر؛ فالقول: ما قال عبد الرزاق» (الموسوي، 1973)
خامساً: موقف عبد الرزاق من معاوية وبني أمية وعمر
قال مخلد الشعيري: كنت عند عبد الرزاق فذكر رجل معاوية، فقال عبد الرزاق: «لا تقذّر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان» (الموسوي، 1973)
وعن زيد بن المبارك قال: «كنا عند عبد الرزاق فحدّثنا بحديث ابن الحدثان، فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس: جئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وهذا جاء يطلب ميراث امرأته من أبيها، قال عبد الرزاق: انظر إلى هذه الأنوك، يقول: من ابن أخيك؟ من أبيها؟ لا يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» (الموسوي، 1973)
سادساً: مكانة عبد الرزاق في كتب الحديث
قال الموسوي: «ومع هذا فقد أخذوا بأجمعهم عنه، واحتجوا به ومع على بكرة أبيهم، حتى قيل — كما في ترجمته من وفيات ابن خلكان: ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما رحلوا إليه» (الموسوي، 1973)
وقال في «الوفيات»: «روى عنه أئمة الإسلام في زمانه، منهم سفيان بن عيينة؛ وهو من شيوخه، وأحمد بن حنبل؛ ويحيى بن معين؛ وغيرهم» (الموسوي، 1973)
ويضيف الموسوي: «قلت: ودونك حديثه في الصحاح كلها، وفي المسانيد بأسرها، فإنها مشحونة منه» (الموسوي، 1973)
سابعاً: ولادته ووفاته
كانت ولادته رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين ومئة (126هـ)، وطلب العلم وهو ابن عشرين سنة، وتوفي في شوال سنة إحدى عشرة ومئتين (211هـ). وأدرك من أيام الإمام أبي عبد الله الصادق اثنتين وعشرين سنة فيها، ومات في أيام الإمام أبي جعفر الجواد قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بتسع سنين (الموسوي، 1973)
وقد علّق المحقق في الحاشية قائلاً: «لأن وفاة الجواد عليه السلام كانت سنة مئتين وعشرين وله خمس وعشرون سنة، وأخطأ من قال إن عبد الرزاق روى عن الباقر، فإن الباقر توفي عليه الصلاة والسلام سنة أربع عشر ومئة، وله سبع وخمسون سنة، قبل مولد عبد الرزاق باثني عشر عاماً» (الموسوي، 1973)
خاتمة
يتضح مما سبق أن عبد الرزاق بن همام الصنعاني كان من كبار محدّثي الإسلام، وقد احتجّ به أئمة الجرح والتعديل رغم اعترافه بالتشيّع. وقد بيّن ابن معين أن التشيّع لا يقدح في حديث الرجل إذا كان ثقة ضابطاً، فقال: «لو ارتدّ عبد الرزاق عن الإسلام ما تركنا حديثه». وهذه المقولة تلخّص موقف أهل الحديث من مسألة التشيّع وأثرها في قبول الرواية، إذ إن مدار القبول والردّ عندهم على الثقة والضبط، لا على المذهب والاعتقاد، ما لم يكن المذهب داعياً إلى الكذب أو الوضع. وقد بقي حديث عبد الرزاق مشحوناً به الصحاح والمسانيد، مما يدل على مكانته العالية وثقة الأمة به.
الحواشي
(43) ص. 137 من جزئه السادس.
(44) راجع ص. 391 من الجزء 6 من الكنز.
(45) كما في ترجمة عبد الرزاق من الميزان.
(46) كما في ترجمة عبد الرزاق من الميزان أيضاً.
(47) كما في ترجمة عبد الرزاق من الميزان.
(48) بلى وافقه عليه المنصفون، وعدّوها في الصحاح بكل ارتياح، وإنما خالفه فيها النواصب والخوارج، فمنها ما رواه أحمد بن الأزهر وهو حجة بالاتفاق قال: حدثني عبد الرزاق خلوة من حفظه، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله (ص) نظر إلى علي فقال: «أنت سيد الدنيا، سيد في الآخرة، من أحبك فقد أحبني، ومن أبغضك فقد أبغضني، وحبيبك حبيب الله، وبغيضك بغيض الله، والويل لمن أبغضك». أخرجه الحاكم في ص. 128 من الجزء 3 من المستدرك، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين. ومنها ما رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قالت فاطمة: يا رسول الله زوّجتني عائلاً لا مال له، قال: «أما ترضين أن اطّلع الله إلى أهل الأرض فأختار منهم رجلين، فجعل أحدهما أباك، والآخر بعلك». قلت: وهذا الحديث قد أخرجه الحاكم في ص. 129 من الجزء 3 من المستدرك من طريق سريح بن يونس، عن أبي حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً.
(49) حاشا الله أن تكون مناكير إلا عند معاوية أو فئته الباغية، فمنها ما رواه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعاً: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه». كما في ترجمة عبد الرزاق من الميزان.
(50) كما في ترجمته من الميزان.
(51) كما في ترجمته من الميزان.
(52) لأنه صلوات الله وسلامه عليه توفي سنة مئة وثمان وأربعين، وله خمس وستون سنة.
(53) لأن وفاة الجواد عليه السلام كانت سنة مئتين وعشرين وله خمس وعشرون سنة، وأخطأ من قال إن عبد الرزاق روى عن الباقر، فإن الباقر توفي عليه الصلاة والسلام سنة أربع عشر ومئة، وله سبع وخمسون سنة، قبل مولد عبد الرزاق باثني عشر عاماً.
المراجع
الموسوي، عبد الحسين شرف الدين. (1973). المراجعات (تقديم ح. م. الشيرازي). مؤسسة الوفاء.